أفي مثل هذه الأيام يرحل الكبار…؟
- أ. د. سمير بودينار
- 15 août 2017
- 3 min de lecture
في أيام عطلة أو عطالة أسلم الناس فيها أنفسهم للراحة من عناء التفكير فيما يحيط بنا من تحديات في كل اتجاه، و في هدوءه المعتاد، انتقل إلى رحاب الله أحد الرجال الكبار، رجال هذا الوطن الكبار.. كاتب ومفكر ومقاوم وقائد وطني وزعيم سياسي وصحافي وأديب… في كل هذه كان من طينة الكبار..
لقد ظل الأستاذ عبد الكريم غلاب إلى الرمق الأخير قامة وطنية سامقة: أدبا وثقافة وحضورا وعملا عاما…ربما كان من حظ الأجيال الثلاثة الماضية من أبناء المغرب المعاصر أنها عاصرت أمثال الاستاذ غلاب وتغذت فكريا على إنتاجه الفكري والأدبي، وتعلمت معاني الوطنية وقراءة أحداث الحياة في مدرسته الصحافية كاتبا يوميا في « العلم »، التي لم تعرفها تلك الأجيال إلا قبسا من روحه ومقترنة باسمه، فلما غادرها كأنما غادرتها تلك الروح..لا أعرف للأستاذ عبد الكريم غلاب كتابا لم أسع إلى الحصول عليه وقراءته، منذ سنوات المدرسة، ولا أزال أذكر المشاعر الروحانية الأخاذة التي تملكتني يوما وأنا طالب في أول سنوات الجامعة عندما عكفت في عطلة صيف على قراءة كتابه « الماهدون الخالدون »، الذي عرف فيه بكوكبة من نجوم العلم والجهاد والوطنية والفكر في بلادنا.. كان رحمه الله يفتح أعيننا وأعين الأجيال الجديدة من أبناء المغرب على تراثهم الحي، وتاريخهم الممتد، وأعلامهم رموز العصر الحاضر وشهوده…
وأذكر أن رفيق الرحلة في زيارتي الأولى إلى الولايات المتحدة، كان كتابا له في أدب الرحلة لم يطبع إلا طبعة واحدة فيما أعلم عنوانه « صحافي في أمريكا ».
ما أكثر ما حضرت لقاءات لأستاذ غلاب وسعيت إليه، في المناسبات العامة واللقاءات الفكرية والأدبية…لكن مواقف خاصة هي التي رسمت الصورة التي ستبقى لهذا الرجل في ذاكرتي ووجداني…
في عام 2006، كنت في الكويت لحضور أحد المؤتمرات، وانتهزت الفرصة لزيارة الأديب والصحافي والشاعر السوري الكبير الأستاذ محمد خالد القطمة في مكتبه، قبل أن يرحل عن دنيانا بسنتين، كان حديثه مباشرة عن الأستاذ عبد الكريم غلاب.. استرسل في كلماته الجميلة عن الأديب والصحافي والمثقف الذي عرفه، ثم كانت مفاجأة الزيارة : « ضوء يشرق من المغرب » هكذا اختاروا عنوانا للكتاب الذي أهداني نسخة منه، أصدروه هناك عن الأستاذ عبد الكريم غلاب.. سياسيا وصحافيا وإنسانا.
في أوائل شعر دجنبر من عام 2010، دعيت للمشاركة في منتدى فاس حول تحالف الحضارات والتنوع الثقافي، وكان موضوع دورته الرابعة تلك » الدبلوماسية الدينية والثقافية ودورها في خدمة الأمن والسلام العالميين »، ظللت أنظر بإعجاب إلى الأستاذ الكبير.. مقاما وعمرا، الذي يصر -وقد جاوز التسعين- برغم أعباء الجسد وثقل السنين على الحضور والمشاركة بإلقاء كلمته في الجلسة الافتتاحية للمنتدى التي احتشد فيها جمع من المفكرين والدبلوماسيين والكتاب والصحافيين من أنحاء العالم.. ارتقى المنصة بمشقة، ولم يأخذ مكانه إلا بمساعدة من غيره، متكئا على عصاه. لكن ما إن بدأ كلمته حتى رأينا صورة إنسان آخر، صورة الروح وقد تحللت من وطأة الجسد المتعب… تدفق خطيبا عن » ضرورة النهوض بجامعة القرويين العريقة، وما تمثله من رمزية في تاريخ المعرفة الإسلامية وحضارة المغرب، وواجب الحفاظ على هوية المغرب، ولغته العربية… »
كانت القضية اللغوية هما أساسيا في وجدانه، عليها تربى فكريا ونشأ سياسيا. قضية أكبر من مجرد تدبير في ملفات التعليم والاتصال والثقافة، كما يقول بعض الذين يصدق عليهم وصف أثير من الستينات: أزمات كبيرة ورجال صغار ». كانت اللغة بالنسبة له كسائر عناصر الهوية الوطنية قضية تحرر ونهوض واستقلال حقيقي، وجوابا على سؤال مصيري ستطرحه الأجيال الحاضرة والقادمة على نخبنا وتحاسبها عليه. وكنت ألقاه في افتتاح المؤتمرات الوطنية للغة العربية، حريصا على الحضور، مغالبا وطأة العمر والصحة، موجها – بلسان الحال- أبلغ كلماته لأجيال الكتاب والمثقفين الشباب.
لقيت الأستاذ عبد الكريم غلاب للمرة الأخيرة أوائل هذه السنة، في أكاديمية المملكة، التي كرمته بمناسبة انعقاد دورتها الأخيرة (يناير 2017)، حريصا على حضور الجلسة العلمية العامة في اليوم الأول، رغم أن موعد تكريمه كان اليوم الثاني… كان درسه الأخير -وقد كان مقعده قبل مقعدي مباشرة- حرصه على طلب سماعة الترجمة ليستمع إلى الكلمات التي القيت بكل لغة، يسمع ويتعلم، لأنه هكذا فقط يحيى ويترجل الرجال الكبار.



Commentaires